القراءة بين الكم والكيف

«أن تقرأ كتابا عشر مرات خير من أن تقرأ عشرة كتب مرة؛ لأن قراءتك الأولى غير الثانية، والفائدة من الأولى غيرها من الثانية، إلخ..»
تلك كلمة، إلا تكن صحيحة بالحرف فأنا زعيم لك بأنها صحيحة بالمعنى، قالها أستاذنا الدكتور هشام الكامل في مجلسه بالجامع الأزهر منذ سنوات.. إنما أروي تلك الكلمة لأنها استوقفتني، ثم لم تلبث أن أرغمتني على أن أقلب منهجي في القراءة رأسا على عقب؛ إذ كان همي عند مطلع كل شهر هو «كم عدد الكتب الذي سأقرأ في هذ الشهر»، فإذا هو بعد ذلك استحال إلى «كم عدد الفوائد الذي حصلت عليه من كتاب قرأت».
هذا النهج في القراءة كان عليّ ثقيلا ممضًّا في بداية الأمر، إذ كيف أرضى عن نفسي وأنا أحتاج إلى أيام بل أسابيع حتى أتخلى من كتاب، بينما أقراني الفضلاء يقبلون على يومهم، وفي أيديهم غيرُ ما في أيديهم بالأمس من الكتب.
ولعلك تسألني: لم كان هذا الانقلاب رغم استيائي منه؟ فأجيب: لأني وجدت قراءتي العابرة لأي كتاب لم تسمح لي إلا تصورا عاما ساذجا مضطربا، وحرمتني متعةَ الدقة وروعة التفصيل ولذة التساؤلات التي أثارتها الدقةُ والتفصيل، وجعلتني -فور انتهاء القراءة- أشعر بأني لم أستفد منها شيئا، بل لم أقرأ شيئا.
فاقتنعت أخيرا بأن التأني والدقة في القراءة، وإعادتها مرة بعد أخرى؛ أوفقُ سبيل إلى الحصول على تصور عام صحيح ثابت، وأفضل طريق إلى الإلمام الأكيد بالتفاصيل الدقيقة والمسائل الملتوية، وأحسن مسلك لإدراك الأسرار الكامنة وحل الألغاز الصعبة، علاوةً على فوائد جمة استحالت أو كادت تستحيل أن تتسنى لقراءة عاجلة ساذجة.
وانطلاقا مما سبق فهمت أهمية التخصص في علم من العلوم أو فن من الفنون، ووعيت ضرورة احترام أصحاب التخصص، واستقر في كياني أن عدم احترام تخصص الآخرين ليس إلا دليلا على الوقاحة العلمية والفنية إن صح التعبير، وسببا حتميا لانتشار المفاهيم المغلوطة بين الناس.
وقد يوجد من نبغ في شتى العلوم والفنون، غير أن التاريخ أبى إلا أن يؤثر المتخصصَ عليه بمزيد من الشهرة والاعتداد، أو أن يختار له تخصصا واحدا ليشتهر به دون سواه من تخصصاته. 

مدينة البعوث الإسلامية، ٤ فبراير ٢٠١٧م
أحمد سترياوان هريادي

0 comments:

إرسال تعليق