قال عمر بن الخطاب

من عرض نفسه للتهمة فلا يلومن من أساء به الظن

قال حكيم من الحكماء

أربعة توصل إلى أربعة: الصبر إلى المحبوب، والجد إلى المطلوب، والزهد إلى التقى، والقناعة إلى الغنى

قال زيد بن علي

ولا تستعينوا بنعم الله على معاصيه

قال أحد الأدباء

مهما يكن احتفالنا بيوم الفراق، واغتباطنا ساعته؛ فإن الفراق لا بد أن يترك فيما بعد كما هائلا من الوحشة

قال حكيم

كن بعيد الهمم إذا طلبت، كريم الظفر إذا غلبت، جميل العفو إذا قدرت، كثير الشكر إذا ظهرت

بعد الفراق

كان ينبغي أن يوازي فجر ذاك اليوم في أنسه واطمئنانه، وأن يجاري صباح ذاك اليوم في إشراقه واغتباطه، لكن ما ألم به عاقه عن موازاة الفجر، وما تعرض له سده عن مجاراة الصباح، فالجسد تجمد، والعقل تحجر، واللسان انعقد، والخاطر انكسر.. أجل، إن أمارات الحياة كادت تذهب عنه، وإن أمارات الموت منه لباديةٌ متعالية.
ها هو ذا وقف متحجرا عن كثب من زوجه منذ انبثق الفجر، محدقا إلى وجها البهي الهادئ، فيه ابتسامة ورضا، وفيه اطمئنان وراحة بال، كأنما يبوح بأن صاحبته قد قامت بواجبها خير قيام، وقد أرضت ضميرها أحسن إرضاء، وأنها آثرت حياة ابنتها الوحيدة على حياتها هي، وأيقنت أنها قد حازت بكل قلب زوجها، وقد نالت كل رضاه عنها، فما كان لها إذن إلا أن تفارق الدنيا مطمئنة، وأن ترجع إلى ربها راضية مرضية.
أجل، إنها لحبيبة إلى قلبه، وإنها لآثر الناس عنده، فأية مصيبة أفجع وأوجع للقلب من فقد أحب الناس إلينا ومفارقة آثرهم عندنا، فلا غرو أن بدأ الكمد والأسى يرمقانه من كل صوب، وأن أخذت الدنيا عليه تتضايق ومصائبها تتفاقم، وإذا الهموم تتناجى في صدره، وإذا الدموع تنهمر انهمارا، وإذا صوته الحزين يردد اسم زوجه البارة..
أي فاضلة..! ما عساي أن أفعل بعد فراقك هذا؟ أفترينني قادرا على مواجهة صعاب الحياة وحدي؟
توالت عليه السنون بعد فراق زوجه، وتغيرت بمقتضاها الأشياء كلها.. أجل، كان في فراق زوجه حزن لا صنو له، ووجع لا قبل له، فما أشق ذاك الفراق عليه، لقد كان هناك آمال تشرق فيحطمها، وأحلام تزهو فيهدمها، على أن ابنته الوحيدة التي ولدَتْها له زوجُه، لها يد في تخفيف حزنه وإغماض قلبه عن وجعه، وأنها أعطته روحا جديدا ليستأنف حياة جديدة، فيها عزم وحزم، وفيها جد وكد.
ها هي ذي ابنته قد بلغت الخامسة من عمرها.. إلا أنه كلما حدق إليها من بعيد وجد في نفسه شيئا من الحزن الرقيق. حزين لأن ابنته نشأت وترعرعت وهي محرومة من حنان أمها ودفئها، حزين لأن وجه ابنته استحضر في ذاكرته وجه زوجه تلك الحبيبة إليه العزيزة عليه.
[]

مدينة البعوث الإسلامية، ١١ مايو ٢٠١٧
أحمد سترياوان هريادي

المرأة مرة أخرى

لم يعد يفكر في شأن قرينته، بل لم يعد يخصص ثانية حياته للتفكير فيه من شيء.. وكيف لا، فقد ذاق مرارة الرفض والإهانة، ورأى كيف كانت تزعزع معيشته برفضها خالصَ حبه زعزعة، ورأى كيف كان الهوان يتسرب إلى أعماق نفسه تسربا، فلم يعد يعرف من حياته إلا بالغ الحزن، ولم يعد يرى فيها إلا لاذع الندم.
فمنذ ذلك الحين أخذ الإهمال يترسخ في نفسه فينطبع، وأخذ الأسى يتمكن فيها فيسيطر، فهل هناك شيء أبغض إلى الحب ودواعي الحب إلا الإهمال؟!
أجل، لم يعد يبالي بالمرأة مهما يكن جمالها، ولم تعد تعجبه مهما يكن ذكاؤها، ولم تعد تجذبه مهما يكن خلقها، فهو إذن مؤمن كل الإيمان بما قاله الأبشيهي أن مما أجمع عليه حكماء العرب والعجم ألا يغتر أحد بامرأة مهما تكن.. على هذا المبدأ أخذ يستأنف حياته هذي الجديدة حازما معتزما.
على أنه لا يستطيع أن ينكر أنها كانت أحب الناس إليه، ولا يستطيع أن ينكر أنه كان معجبا بها ولها أيما إعجاب، ولا يستطيع أن ينكر أنه كان يجد في ذكرها نعمة لا تعبر، وفي مناقبها فخرا لا يباهى، وعند لقياها اضطرابا يوشك أن يكون محببا إلى نفسه فيتمنى تكرارها..
وما يزال في ذاكرته كيف كانت تفوح في نفسه بواعث الجد ومجامع القوة، وكيف كانت تملأ فضاءه بأجمل ما لها من وجه بهي وقلب تقي وخلق رضي، فلا الكلام يقدر على التعبير عنه حق التعبير، ولا الفعل يقدر على وصفه أتم الوصف.
على أنه لم يخطر بباله أن عهده الرائع بها لم يتجاوز إلا أياما قلائل، فانقلب حبه كرها، وإعجابه بغضا، ونعمته نقمة، وفخره هجاء، واضطرابه إهمالا. وفعلا، فإذا به الآن يكرهها أعظم الكره، وإذا ذكره إياها يؤذيه أشد الإيذاء، وإذا لذع الندم من الوقوع في حبها يلم به كل الإلمام.

مدينة البعوث الإسلامية، ٢٣ يونيو ٢٠١٥
أحمد سترياوان هريادي 

المرأة

كم كنت أرجو أن تكون لي حبيبة، ولكنها أبت إلا أن تؤثره علي، وأن تهمل ما صارحتُها به من صفاء الحب، واعتزام النفس على القيام بما يسرّها ويريح بالها. أجل، لقد اختارتْ من هو سابقي إلى محامد الأمور، ومستوجِبات الثناء. وهي في ذلك محِقّة كل الحق ومصيبة كل الإصابة. لكن ما لي؟ لمَ أتألم من إيثارها إياه علي؟ ولم أغتاظ مما ناله وهو أحق به مني؟ أوقد نال الحسدُ مني لرفضها حبي؟ تساؤلات شتى ما أستطيع الوقوف على إجاباتها.
لم أكد أصبِح من يومي حتى رأيته أسودَ قاتمًا، ليس فيه إلا تشاؤم بعد تشاؤم، وكمد بعد كمد. لقد ضاعت مني ثقتي بنفسي، وتسربت إلي كياني قناعة بالدون. لم أعد خفيف الخطى، فلست أدري أين ذهبت تلك الحادثة المؤلمة المخزية بنخوتي ونشاطي. أجل، إنها حادثة مؤلمة مخزية، لأنها تركت أوقع ضروب الألم وأقبح أنواع الخزي. ولست أراني مبالغا في وصفها إذا قيس ذاك الوصف بآثارها التي دمرت حياتي كل التدمير وانحطت بي إلى أحط الدركات.

مدينة البعوث الإسلامية، ١٤ مايو ٢٠١٥
أحمد سترياوان هريادي