الشيخ صفوان حكيم: إمام الدعاة في جزيرة لومبوك

الشيخ صفوان بعد استلامه جائزة كالباتارو للحفاظ على البيئة من رئيس الجمهورية الإندونيسية في قصر الاستقلال بجاكرتا سنة 2011
بقلم تلميذه: أحمد سترياوان هريادي
من أهم رجال الدعوة في محافظة نوسا تنجارا الغربية – إندونيسيا، وأبرزهم في العصر الحديث هو الأستاذ الشيخ صفوان حكيم بن عبد الكريم، فقد تمتع هذا الشيخ الجليل بعدة من المواهب التي اكتمل بها كونه عالما وفقيها وداعيا وكاتبا إلى حد بعيد المدى.
ولعل أبزرَ دليل على ذلك استحسانُه كل وسائل تبلغه إلى تحقيق أهدافه الدعوية، من مشاركته في المؤتمرات والندوات العلمية، وكتابته مقالة أسبوعية بجريدة «لومبوك بوست»، وتأليفه كتاب «فقه الأمة»؛ أجاب من خلاله استفتاءات الجماهير حول المسائل الدينية والقضايا الفقهية المعاصرة، وعقْدِ حلقات دينية في إحدى القنوات الفضائية المحلية والإذاعات المتعددة، وغيرها من وسائل.
ومن ثَمَّ فلا عجب إذا رأينا نجمَه متألقًا ذائعَ الصِّيت، على حين فقد اكتفى معظم رجال الدعوة في تلك المحافظة باستخدام وسيلة أو وسيلتين في أعمالهم الدعوية، حتى لم نر ما لدعوتهم لدى الجماهير من أثر فعَّال، ولا لأسلوبهم الدعوي من تجدد مشهود. وقلَّ أن نجد منهم من أحسن الكتابة حيث تصبح دعوتهم لا تنحصر في الطبقة الشعبية فقط، بل تشمل الطبقة المتعلمة والطبقة الأرستقراطية من الناس.
ومن ميزات الشيخ حفظه الله أنه أتقن الإنجليزية كل الإتقان، فضلا عن إتقانه العربية، فلا غرو إذا أصبح الشيخ معروفا لدى الجماهير بأنه شخصية ذات ثقافة واسعة، بالإضافة إلى علمه الغزير ومعرفته العميقة، مما جعلت العلماء المتصنعين والمثقفين المتسولين هائجين عندما أرادوا الاستخفاف بالشيخ الجليل.
ومن سماته البارزة أنه لا ينتمي إلى أي حزب من الأحزاب السياسية كما كان عليه غيره من رجال الدين، ولا إلى جمعية من الجمعيات أمثال جمعية «نهضة العلماء» وجمعية «نهضة الوطن» والجمعية المحمدية وغيرها، ولعل السر في ذلك -كما يظهر لي- أن الشيخ قد أحبَّه أن تكون نفسه ملكا للمسلمين أجمعين ووقفا لهم، من أن تكون صالحة لطائفة، وغير صالحة لطائفة أخرى لاختلاف الأحزاب والجمعيات.
***
اشتغل الشيخ صفوان بمنصب شيخ المعهد «نور الحكيم» الشهير في كديري لومبوك الغربية، منذ سنة 1977م إلى يومنا هذا، وذلك بعد وفاة أبيه العلامة الشيخ عبد الكريم رحمه الله الذي أسس هذا المعهد سنة 1948م. وفي رأيي، إن الشيخ صفوان هو المؤسس الحقيقي لهذا المعهد، وكيف لا، فقد جعله مؤسسة تعليمية رسمية معترَفة لدى الحكومة والجماهير، وقبلة لطلبة العلوم الشرعية والحديثة، ولسانا ناطقا ذا سمعة وهيبة لدى المجتمع، وبجهوده البازرة -بعد فضل الله تعالى- تم في عهده إنشاء المدراس لجميع المراحل الدراسية من الابتدائية إلى المرحلة الجامعية، هذا بعد أن كان المعهد -في عهد أبيه- مجرد سكن عشرات الطلبة لمدة ثلاثين سنة تدرس فيه العلوم الدينية فحسب. وفي عهده أيضا أصبح معهد «نور الحكيم» -بفضل الله تعالى- أكبر مؤسسة تعليمية إسلامية في محافظة نوسا تنجارا الغربية بعد معاهد نهضة الوطن في لومبوك الشرقية.
ومن أظهر ما قام به الشيخ صفوان منذ تسلّمَ ذلك المنصب هو إعداد وتكوين رجال الدعوة، فأحسن تربية الشباب، وباشر كل أسباب تمكنه في أن يكون تلامذته صالحين لتحمّل أعباء الدعوة الثقال، من حسن التعليم ودوام التثقيف، وعلى هذا اشتهر معهده بمعهد الدعوة أو بمعهد إعداد الدعاة.
برز كفاح الشيخ الدعوي ببثه المتواصل قوافل الدعوة مذ مستهل التسعينات إلى أنحاء الجزيرة، لا سيما إلى ناحية شمالها، إذ فيها قرية تسمى «بايان» التي بلغ أهلُها منتهًى من الانحراف والجمود والتخلف، بالنسبة إلى ما عداها من القرى. وبعد مرور السنين انجلى له -بفضل الله تعالى- ثمار كفاحه، حيث أصبح الشيخ الجليل أكثر العلماء والدعاة تأثيرا في منطقة شمال لومبوك، بجانب كفاح وتأثير العلامة الشيخ محمد زين الدين عبد المجيد رحمه الله.       
وقُدّر للشيخ بالإضافة إلى اشتغاله بمنصب شيخ المعهد أن يكون رئيسا لكل الهيئات التي انضم إليها، واللجان التي اشترك فيها، فهو رئيس المجلس الأعلى الإندونيسي للدعوة الإسلامية فرع نوسا تنجارا الغربية، ورئيس المنتدى للتعاون بين المعاهد الدينية لمحافظة نوسا تنجارا الغربية، ورئيس مجلس العلماء الإندونيسي لمنطقة لومبوك الغربية، وغيرها من الهيئات واللجان، مما يطول بنا القول لو سردنا لك كلها.
***
إن الشيخ لنمَطٌ فريد في شخصية عالمة عاملة معلّمة، فرئاسته عدة الهيئات الإسلامية واللجان الدينية على مستوى المحافظة لأفصح دليل على مكانته العلمية، وتقدير العلماء له. أما كون الشيخ عاملا لعلمه فتجلى لمن لازم الشيخ، أو عرفه حق المعرفة. وإني أشهد أنه ممن يشتد على نفسه في العبادة، فظلت -على ما يظهر لي- النوافلُ له فرائضَ، فضلا عن الفرائض نفسها، ولم أر قط أنه ترك صلاة تحية المسجد مذ لازمته سنة 2003 إلى 2010 حيث سافرت إلى مصر للالتحاق بالأزهر الشريف، ذلك بالإضافة إلى عباداته الأخرى التي لا يعرفها إلا أقاربه. وأما كونه معلما فذلك شيء لا سبيل إلى إنكاره، إذ سرعان ما أفرغ نفسه للعلم من خلال التعليم بعد عودته من مكة المكرة في أوائل السبعينيات إلى يومنا هذا، وجموع المتخرجين في مرباه كل سنة على ذلك شهود.  
وإن الشيخ لمثَلٌ رائع في سماحة النفس، ورحابة الصدر، ووفاء الصداقة، فها هو ذا الذي ترك بابه مفتوحا ليسهل على ذوي الحاجات مقابلته، وهو لم يُدعَ ليلقي الدروس أو يؤم صلاة جنازة في أي مكان -مهما يكن بُعده- إلا ولبَّى تلك الدعوة. وإني أشهد ما بينه وبين الدكتور سالم السقاف الجفري وزير الاجتماعية الإندونيسي من صداقة صادقة ووفاء نادر عندما زاره ذلك الوزير في معهده، وكذا علاقته المتينة مع الأستاذ الدكتور محمد زين المجد الأزهري، محافظ نوسا تنجارا الغربية، وكذا مع غيرهما، لأوضح دليل على ما ذكرناه من قبل.     
والشيخ صفوان نموذج بارع في إصلاح أفكار المجتمع، والحفاظ على البيئة، ومحاربة الفساد. فكم كان يغريه كون الأمة الإسلامية أمة قارئة لا جاهلة، وناقدة لا مستغَلّة، ومتبوعة لا تابعة، وغنية لا فقيرة، بيد أن معظم الدعاة قد يكفيهم ذكر أهوال القيامة في حلقاتهم، أو إغراء الناس بفضائل الأعمال، بل منهم من يدعو إلى التقشف وإهمال الدنيا اللذان لا أساس لهما في ثوابت الكتاب، ولا في صحاح السنة.
أما اهتمامه بالحفاظ على البيئة فهذا مما تميز هو عن غيره، فلا تكاد تجد مضمون دروسه أو خطبه خاليا عن دعوته إلى الحفاظ على البيئة، حتى لقد اشتهر بين الناس عبارته الشهيرة: «هدم مائة مبنى لأهون عليَّ من قطع شجرة واحدة»، وعلى هذا الأساس ترى معهده يشبه غابة في كثرة أشجارها، وعدم وصول الشمس إلى أرضها.
ومن مظاهر اهتمامه بالحفاظ على البيئة عقْدُه مشروعَ "زرع مليون شجرة" سنة 2005 على مستوى المحافظة، تحت إشراف المنتدى للتعاون بين المعاهد الدينية، وما زال هذا المشروع جاريا إلى يومنا هذا، وبسبب هذا الجهد الفريد حصل الشيخ صفوان على جائزة كالباتارو (KALPATARU) للحفاظ على البيئة من رئيس الجمهورية الإندونيسية سنة 2011.   
لكن من سوء حظ الشيخ الجليل أن يقل من يكتب عنه من تلامذته، مع أن له عليهم حقا، فكم من طلاب وطالبات تخرجوا في مرباه كل سنة، ولم نر ما لجهود الشيخ من أثر فيهم، بحيث يكتبون عنه مثلا، أو يشيعون ذكره، كما كان عليه تلامذة العلامة الشيخ محمد زين الدين عبد المجيد رحمه الله. وأرى أن على الجامعة الإسلامية «نور الحكيم» أن تعقد مشروعا لدراسة منهج الشيخ صفوان حكيم الدعوي وأثره في حياة المجتمع المعاصر.
وبعد، فهذا ما وفقني الله تعالى عليه في توفية حق شيخي وأستاذي صفوان حكيم عليّ، ومع ذلك فإني لم أذكر للشيخ إلا ما بدا لي أو شهدت له بنفسي خلال ملازمتي إياه، وإني أكبر الظن أن ما خفي عني لأكثر مما جلا، فإن أصبت فيما عرضت فحمدا لله، وإن أخطأت فحسبي أني قاصد الحق. والله أعلم!
«صَفْوَانُ» مَنْ سَــطَعَتْ مَآثِـرُهُ وَإِنْ    صَمَتَ الْوَرَى فَلَهُ كِفَاحٌ نَاطِقُ
«نُوْرُ الْحَكِيْمِ» عَلَى الْجُهُـوْدِ دَلِيْلُـهُ   وَاللَّهُ يَــشْــهَـدُ سَـعْـيَـهُ وَيُــرَافِــــــــقُ

حفظك الله يا شيخنا!

0 comments:

إرسال تعليق