قال عمر بن الخطاب

من عرض نفسه للتهمة فلا يلومن من أساء به الظن

قال حكيم من الحكماء

أربعة توصل إلى أربعة: الصبر إلى المحبوب، والجد إلى المطلوب، والزهد إلى التقى، والقناعة إلى الغنى

قال زيد بن علي

ولا تستعينوا بنعم الله على معاصيه

قال أحد الأدباء

مهما يكن احتفالنا بيوم الفراق، واغتباطنا ساعته؛ فإن الفراق لا بد أن يترك فيما بعد كما هائلا من الوحشة

قال حكيم

كن بعيد الهمم إذا طلبت، كريم الظفر إذا غلبت، جميل العفو إذا قدرت، كثير الشكر إذا ظهرت

المرأة

كم كنت أرجو أن تكون لي حبيبة، ولكنها أبت إلا أن تؤثره علي، وأن تهمل ما صارحتُها به من صفاء الحب، واعتزام النفس على القيام بما يسرّها ويريح بالها. أجل، لقد اختارتْ من هو سابقي إلى محامد الأمور، ومستوجِبات الثناء. وهي في ذلك محِقّة كل الحق ومصيبة كل الإصابة. لكن ما لي؟ لمَ أتألم من إيثارها إياه علي؟ ولم أغتاظ مما ناله وهو أحق به مني؟ أوقد نال الحسدُ مني لرفضها حبي؟ تساؤلات شتى ما أستطيع الوقوف على إجاباتها.
لم أكد أصبِح من يومي حتى رأيته أسودَ قاتمًا، ليس فيه إلا تشاؤم بعد تشاؤم، وكمد بعد كمد. لقد ضاعت مني ثقتي بنفسي، وتسربت إلي كياني قناعة بالدون. لم أعد خفيف الخطى، فلست أدري أين ذهبت تلك الحادثة المؤلمة المخزية بنخوتي ونشاطي. أجل، إنها حادثة مؤلمة مخزية، لأنها تركت أوقع ضروب الألم وأقبح أنواع الخزي. ولست أراني مبالغا في وصفها إذا قيس ذاك الوصف بآثارها التي دمرت حياتي كل التدمير وانحطت بي إلى أحط الدركات.

مدينة البعوث الإسلامية، ١٤ مايو ٢٠١٥
أحمد سترياوان هريادي 

مع بعض الأمثال الشعبية الإندونيسية


بقلم: أحمد سترياوان هريادي  
  لم تكن الأمثال الشعبية شيئا متداولا بين الناس، استعملوها صباحَ مساءَ لتعبير ما يريدون أن يعبروا؛ ولا شيئآ محفوظا أم مقررا على الدارسين في كتب اللغة والأدب، قرأوها قراءة ثم لم يلبثوا أن فهموها فهما حتى يتسنى لهم اجتياز ما واجهوه من صعاب الامتحان. وإنما هي قبل كل شيء مرآة لشعب من الشعوب صادقة بالغة الصدق؛ تعكس فلسفة حياتهم، وتراكم خبراتهم عبر العصور، وخصائص البيئة التي يعيشونها.
  ذلك لأننا رأينا أن بعض فنون الأدب قد يقصر في تصوير حياة شعب من الشعوب حق تصوير؛ وتفصيل ذلك أن الشعر مثلا لم يكن يجيده كل أفراد الشعب، بل قلةٌ قليلة منهم. وإذا أتى الشعر بشيء من صورة المجتمع فهل نستطيع أن نجزم بأن ما جاء به صادق في تصويره للأحوال الاجتماعية وفي تعبيره عن نفسية أفراد المجتمع؟ هيهات! إن الشعر لا يمثل إلا تلك القلة القليلة من الشعراء، بل لا يمثل إلا الشاعر نفسه.
  وما الأشياء التي فرضها الشعر على الشاعر من تأمل انعزالي، واستنفاد الطاقة الشعورية، وإيثار الإيحاءات -عبر الموسيقى الشعرية وظلال الألفاظ- على التصريح والتفصيل؛ ليست إلا دليلا على انحصار الشعر في دائرة ضيقة جدا، واستغناء الشعر -قبل كل شيء وبعد كل شيء- بنفس الشاعر وعالمه الشخصي وانفعالاته عن أحداث خارجية، وقصور الشعر عن تمثيل طائفة من الشعراء فضلا عن أفراد الشعب كلهم.
  أما الأمثال الشعبية فشأنها مختلف عن الشعر بعض الاختلاف؛ حيث إنها جزء لا ينفك عن الشعب، تصحبهم حين يمسون وحين يصبحون، لم نكد نصغي إلى أحاديثهم حتى ألفيناها زاخرة بضروب متنوعة من الأمثال. هذا -إن دل على شيء- إنما يدل على أن نطاق الأمثال أوسع، ودورانها بين أفراد الشعب أكثر، ويدل على أن تمثيلها لشعب من الشعوب سواء من حيث فلسفة الحياة، أم من حيث تراكم الخبرات، أم من حيث البيئة المعيشة؛ أصدق من كل الفنون الأدبية.
  وإذا تقرر لنا أن الأمثال الشعبية أصدق الفنون الأدبية تمثيلا وتصويرا للشعب من كل جوانب الحياة، فما أحراها إذن بأن تدرس دراسة يعلوها العمق والاستقصاء، وأن يعنى بها الدارسون عناية فائقة متواصلة؛ حتى يتسنى لهم الوصول إلى ما يريدون أن يصلوا إليه من الحقائق، وحتى لا تتسم نتائج أبحاثهم بالجزئية بل بالقشورية إن صح هذا التعبير. وعلى هذا الأساس حاولنا بعض المحاولة أن نبحث في الأمثال الشعبية الإندونيسية لنتعرف على بعض الملامح المميزة لشعب إندونيسيا عن غيرهم من الشعوب؛ ذاك لأن الأمثال لشعب من الشعوب -كما سبق أن قلنا- تمثل فلسفة حياتهم، وتراكم خبراتهم، وخصائص بيئتهم أصدق تمثيل.
  وإليك بعض الأمثال المشهورة بين شعب إندونيسيا:
١. يوم يكون المجداف في الحوزة مرة، لا بد من اجتياز جزيرتين أو ثلاث 
  هذا المثل ربما أشهر الأمثال الشعبية في إندونيسيا، وأصدقها في التعبير عن نفسية الإندونيسيين، والبيئة التي يعيشونها. فإندونيسيا جغرافيا تتكون من جزر كثيرة تربو على ١٧٠٠٠ جزيرة، وليس هناك قبل عشرات القرون سبيل إلى التواصل بين شخص في جزيرة وآخر في أخرى إلا بالقوارب، أو بالسفن إن كانت المسافات بين الجزيرتين شاسعة؛ إذ ليست هناك في القدم بواخر أو سفن ميكانيكية يُستغنى بها عن المجداف. فالمجداف إذن أخذ مكانا أساسيا جدا لمن أراد أن يُبحِر.
  فــ«المجداف» رمز للفرصة المتاحة لشخص ما، يستطيع بها أن يستغلها، لا لبلوغ مأرب، وإنما لبلوغ مآرب كثيرة. و«اجتياز جزيرتين أو ثلاث» أفاد أن هناك جزرا كثيرة لا تعرف النهاية لا بد من اجتيازها؛ وأفاد أن الإنسان ما كان ينبغي أن يقتنع بما وصل إليه اليوم من تقدم في العلم، وغزارة في الإنتاج، ومكانة في المجتمع؛ بل لا بد له أن يشعر بأنه ما حظي بشيء وما وصل إلى شيء، حتى لا يركن إلى الراحة، ولا يؤثر الحياة الوادعة على حياة الجد؛ فتتوقف المحاولة، وتفتر العزيمة، ويتراجع الإنتاج.
  هذا المثل قاله أجدادنا قبل آلاف السنين، وتوارثناه جيلا بعد جيل، وشكل نظرتنا نحو الحياة، وهي أن الفرصة الذهبية أبت أن تأتي مرتين، فلا بد من انتهازها أفضل الانتهاز، ولا سبيل إلى التفريط فيها مهما تكن الظروف ومهما يصعب المرتقى، وعلى هذا الأساس نالت إندونيسيا استقلالها في ١٧ أغسطس ١٩٤٥، إذ كانت تحت احتلال اليابان، فلما انهزمت اليابان هزيمتها الماحقة أمام دول الحلفاء في نهاية الحرب العالمية الثانية بسبب القنبلة الذرية في «هيروشيما» و«ناجازاكي»؛ انتهز المؤسسون لهذه الدولة هذه الفرصة الذهبية فأعلنوا الاستقلال، ولم يكتفوا بذاك وإنما أعدوا الجيوش من بني جلدتهم -وقد تم تدريبهم على يد الجيش الهولندي ثم الياباني- لانتهاب الأسلحة من أيدي الجيوش اليابانيين المتبقين، لأنهم سيخوضون بعد أشهر قلائل معركة ضروسا جدا للدفاع عن الاستقلال ضد هولندا التي أرادت أن تحتل إندونيسيا مرة أخرى.. وبعد جهاد دؤوب متواصل سواء كان دبلوماسيا أم حربيا؛ تحقق للشعب الإندونيسي الانتصار، وتم لإندونيسيا الاعتراف باستقلالها دوليا في ١٩ ديسمبر ١٩٤٩.
٢. مثل بوم يعشق قمرا   
  هذا المثل شهير جدا، أطلقه الإندونيسيون على رجل يعشق امرأة غير أنها لا تبالي به ولا تلقي له بالا، بل ولا تعترف بوجوده؛ أو أطلقوه على من تطلع إلى أمر يستحيل أن يبلغ أو يكاد يستحيل، ومع ذاك ما زال يطمح إليه رغم أنه يدرك استحالته أو بعده عن المنال. ذلك لأن البوم دائما ما يرمق القمر ليلا على أغصان الشجر ولا يكاد يصرف بصره عنه؛ فكأن القمر قد ملأ عينه وقلبه، وأن جماله قد سحره وأخرجه عن طوره، فأحبه أيما حب، وعشقه كل العشق، وعلق عليه جلّ آماله في أن يكون بينهما لقاء فيصارحه بمكنونات قلبه، ويقاسمه فيضان مشاعره. غير أن القمر معشوقه لا يعبأ به ولا يكترث له؛ يحضر دوما ويغيب دوما طاعة لأمر ربه سبحانه.
  بيد أن البوم عند العرب مختلف أعظم الاختلاف عن البوم عند الإندونيسيين، فلا يعود البوم عند العرب شاهدا على صدق الحب والوفاء، ولا دليلا على روعة الصبر وبعد الطموح؛ وإنما هو مثل يضرب لما يشمئز منه أصحاب الفطر السليمة مرة، ومثل يضرب للشؤم وقبح الصوت والصورة أخرى. قال الأزهري في تهذيب اللغة: «كانت العرب تقول: إذا قتل قتيل فلم يدرك به الثأر، خرج من رأسه طائر كالبومة فيصيح على قبره: اسقوني! اسقوني! فإن قتل قاتله كف عن صياحه». ونحن من النص السابق نفهم كيف كان البوم كريه المخبر، وكيف كان ممقوت المنظر عند العرب؛ إذ نستطيع أن نتصور كم كانت بشاعة ذاك الطائر الخارج من رأس الميت وقذارته.. ثم شبهوا ذاك الطائر البشع القذر بالبومة؛ فالبوم إذن نهاية للشيء البشع القذر عند العرب.
٣. مثل الجمبري تحت الحجر
  كنت متحيرا حينما أريد أن أترجم هذا المثل إلى العربية؛ لأني لم أجد في كتب المعاجم الحديثة -فضلا عن كتب المعاجم القديمة- ترجمة عربية مناسبة لكلمة Shrimp غير برغوث البحر والروبيان والجمبري، فآثرت كلمة «الجمبري» -مع أنها في الأصل كلمة إيطالية- على كلتيهما لشهرتها وسهولتها على اللسان. والجمبري كما في «معجم اللغة العربية المعاصر» هو جنس حيوان بحري صغير من القشريات، عُشاريات الأقدام، يعرف ببرغوث البحر.
  أطلق الإندونيسيون هذا المثل على شخص ذي هدف معين لا يعلم كنهه إلا هو، أو على الهدف نفسه الذي لا يعلم حقيقتَه إلا صاحبُه. ذلك لأن الإندونيسيين رأوا أن من طبيعة الجمبري أن يعيش في الماء، ويتصرف فيه كما يشاء؛ يصطاده الصيادون ليلَ نهارَ في البحر. ولكن لما رأوه يتواجد تحت الحجر حيث يتوارى هناك أي في البَرّ؛ فلا بد إذن أن يكون هناك مقصود معين أو هدف معين لذاك الجمبري، فقالوا لأصحابهم لما رأوا شخصا يتظاهر بما ليس من عادته، وبما هو غير معروف به؛ كأن يتصدق فجأة بأموال جمة وليس له عهد قبل ذلك بالصدقة ولا بالإنفاق، أو أن يغالي في مدح صاحب المنصب الكبير مغالاة غريبة؛ قالوا عن هذ الشخص: «خذوا حذركم! فإن الجمبري تحت الحجر».
  وبعد، فتلكم ثلاثة الأمثال الكثيرة التداول بين الإندونيسيين إلى يومنا هذا، وما أراها إلا صادقة كل الصدق في التعبير عن نفسيتهم، وفلسفة حياتهم، ونتيجة تفاعلاتهم مع بيئتهم التي يعيشونها. []


(فاز هذا المقال بالمركز الأول في مسابقة "الأمثال الشعبية من بلادي" للطلاب الوافدين بالأزهر الشريف؛ عقدها الصالون الأدبي بمدينة البعوث الإسلامية، يوم ٣ إبريل ٢٠١٧م. وقد ترأس لجنة التحكيم الأستاذ الدكتور إبراهيم الهدهد رئيس جامعة الأزهر السابق، والأستاذ الدكتور السيد أبو الشنب عميد كلية الدراسات الإسلامية والعربية. للاطلاع على الخبر اضغط هــنــا)

كلمة خالدة لشيخنا الدكتور هشام الكامل عن القراءة

«أن تقرأ كتابا عشر مرات خير من أن تقرأ عشرة كتب مرة؛ لأن قراءتك الأولى غير الثانية، والفائدة من الأولى غيرها من الثانية، إلخ..»
تلك كلمة، إلا تكن صحيحة بالحرف فأنا زعيم لك بأنها صحيحة بالمعنى، قالها أستاذنا الدكتور هشام الكامل في مجلسه بالجامع الأزهر منذ سنوات.. إنما أروي تلك الكلمة لأنها استوقفتني، ثم لم تلبث أن أرغمتني على أن أقلب منهجي في القراءة رأسا على عقب؛ إذ كان همي عند مطلع كل شهر هو «كم عدد الكتب الذي سأقرأ في هذ الشهر»، فإذا هو بعد ذلك استحال إلى «كم عدد الفوائد الذي حصلت عليه من كتاب قرأت».
هذا النهج في القراءة كان عليّ ثقيلا ممضًّا في بداية الأمر، إذ كيف أرضى عن نفسي وأنا أحتاج إلى أيام بل أسابيع حتى أتخلى من كتاب، بينما أقراني الفضلاء يقبلون على يومهم، وفي أيديهم غيرُ ما في أيديهم بالأمس من الكتب.
ولعلك تسألني: لم كان هذا الانقلاب رغم استيائي منه؟ فأجيب: لأني وجدت قراءتي العابرة لأي كتاب لم تسمح لي إلا تصورا عاما ساذجا مضطربا، وحرمتني متعةَ الدقة وروعة التفصيل ولذة التساؤلات التي أثارتها الدقةُ والتفصيل، وجعلتني -فور انتهاء القراءة- أشعر بأني لم أستفد منها شيئا، بل لم أقرأ شيئا.
فاقتنعت أخيرا بأن التأني والدقة في القراءة، وإعادتها مرة بعد أخرى؛ أوفقُ سبيل إلى الحصول على تصور عام صحيح ثابت، وأفضل طريق إلى الإلمام الأكيد بالتفاصيل الدقيقة والمسائل الملتوية، وأحسن مسلك لإدراك الأسرار الكامنة وحل الألغاز الصعبة، علاوةً على فوائد جمة استحالت أو كادت تستحيل أن تتسنى لقراءة عاجلة ساذجة.
وانطلاقا مما سبق فهمت أهمية التخصص في علم من العلوم أو فن من الفنون، ووعيت ضرورة احترام أصحاب التخصص، واستقر في كياني أن عدم احترام تخصص الآخرين ليس إلا دليلا على الوقاحة العلمية والفنية إن صح التعبير، وسببا حتميا لانتشار المفاهيم المغلوطة بين الناس.
وقد يوجد من نبغ في شتى العلوم والفنون، غير أن التاريخ أبى إلا أن يؤثر المتخصصَ عليه بمزيد من الشهرة والاعتداد، أو أن يختار له تخصصا واحدا ليشتهر به دون سواه من تخصصاته.

مدينة البعوث الإسلامية، ٤ فبراير ٢٠١٧م
أحمد سترياوان هريادي 

كلمة غالية مقتطفة من درس الأستاذ الدكتور أحمد معبد عبد الكريم

«نريد أن نعلمك الأمانة قبل العلم؛ لأن العلم بلا أمانة ليس بشيء..»
كلمة قالها شيخنا الدكتور أحمد معبد عبد الكريم أثناء افتتاح مجلس التخريج بالأمس.
استوقفتني تلك الكلمة حينا، فأثارت في أعماقي إثارة، فلم تلبث أن ساقتني إلى حزن عميق.
ولست أدري من أين جاء هذا الحزن، ولم جاء خاصة بعد أن ذكرت كلمة «الأمانة»؛ ألأني خاوٍ من الأمانة، أم لأن الخيانة لم تترك للأمانة في نفسي مستقرا؟
ما أصعب الأمانة إذن عليّ! وقبل كل شيء ما أثقلها على سمعي! كانت غريبة عليّ ولا تزال، وما أرى إلا أنها ستظل إلى آخر الدهر غريبة بل تزداد غرابة.
ولا يهجسن في نفسك أني أفضح نفسي. كلا! بل أريد من كلامي السابق أو قل اعترافي أن أخاطبك: تلك حال الأمانة في نفسي.. أما أنت فكيف حالها في نفسك؟ ألها مرموق المكانة فيها أم ليس لها إلا خزي وهوان؟
إن كان لها سلطان في نفسك وفي تصرفاتك، فيا حبذا! ولكن إذا كان العكس، فدعني أتحدث عنا معشر المحزونين الذين وجدوا الأمانة غريبة عليهم، أو وجدوا أنفسهم غرباء على الأمانة، إلى يومهم هذا.
أين الأمانة إذن في حياتنا الساعة؟ من منا يستحق لقب الأمين عن جدارة؟ لقد وقعت في حيرة لا سبيل إلى تصويرها عندما أحاول الإجابة عن السؤالين.
لكن المحقق أن غياب الأمانة في حياتنا شر أي شر، وهلاك أي هلاك. وما نراه اليوم مما تعرضنا له من الانحطاط المهين أولا، ثم التبعية الذليلة ثانيا؛ ليس إلا دليلا على أننا لسنا أمناء على أنفسنا وديننا وأوطاننا.


مدينة البعوث الإسلامية، ٢٣ يناير ٢٠١٧م
أحمد سترياوان هريادي

احترام النفس

ما أحوجنا إلى احترام أنفسنا! وما أحوجنا إلى أن نبذل جهدنا كله في احترام أنفسنا! 
إذ لو احترمنا أنفسنا لما كانت تلك الخلافات العقيمة الجدوى، ولما كان ذاك الخصام الذي فرقنا شيعا وأحزابا. 
ولو احترمنا أنفسنا لساقنا الحياء إلى الصمت أكثر منه إلى الكلام، وإلى التأني أكثر منه إلى العجلة.
ولو احترمنا أنفسنا لسلم الناس من جراحات ألسنتنا وأعمالنا، ولوجد العلماء الراحة من اتهاماتنا الباطلة تجاههم وانتقاداتنا المزيفة لهم.
لكنا أبينا إلا أن نخذل أنفسنا وننحط بها إلى أحط الدركات؛ فساقنا سفهنا إلى النيل من مخالفينا والتطاول عليهم.
وقادنا جهلنا إلى اعتبار أنفسنا وحدها أفضل وأعلم وأحكم من هؤلاء العقلاء العلماء فضلا عمن سواهم من عوام الناس، واستبحنا لأنفسنا -وليس لنا الساعةَ ما يستحق الذكر- أن نكره الناس على رأي رأيناه، ونسخر ممن رأى رأيا غير رأينا ونستهزئ به بل ونضلله.
أعرضنا عن احترام أنفسنا فاجتمعت فينا أسباب التخلف والانهيار.
وتوهمنا أن لدينا عند الناس مرموق المكانة فإذ نحن عندهم كريهو المخبر والمنظر. 
وزعمنا -على ضحل علمنا وقلة خبرتنا- أننا مع هؤلاء الكبار الفضلاء سواء؛ فلا جناح علينا في أن ننقدهم ونخطئهم بل ونسبهم إذا وسعنا السباب.

مدينة البعوث الإسلامية، ٥ نوفمبر ٢٠١٦م
أحمد سترياوان هريادي